طبخ القرنبيط على نار الشمس - شكرا على الوصفة!

أَمَّا بَعْدُ…
فَإِنِّي كُنْتُ رَجُلًا يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ وَلَا يَحْيَا،
وَيَتَكَلَّمُ وَلَا يَقُولُ،
وَيَنْظُرُ وَلَا يُبْصِرُ،
وَكَأَنَّ فِي صَدْرِي بَيْتًا مُغْلَقًا،
مَفَاتِيحُهُ ضَاعَتْ فِي زَحْمَةِ الأَيَّامِ،
وَأَقْفَالُهُ صَدِئَتْ مِنْ كَثْرَةِ الصَّمْتِ وَالْكِتْمَانِ.
كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْحَيَاةَ حِسَابٌ وَمِنْطِقٌ،
وَأَنَّ الْقَلْبَ زِينَةٌ لا لُزُومَ لَهَا،
حَتَّى أَقْبَلَتْ عَلَيَّ كَنَفْحَةِ يُسْرٍ بَعْدَ عُسْرٍ،
وَكَنُورٍ يَشُقُّ غَيْمًا مُتَلَبِّدًا فَوْقَ أُفُقِي.
لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ فِيَّ بَحْرًا،
حَتَّى جَاءَتْ هِيَ وَهِيَ فِيلٌ فِي ثِقَلِ حِكْمَتِهَا،
وَأَنَا دُلْفِينٌ يَلْعَبُ فِي سَطْحِ الْمَاءِ هَرَبًا مِنْ عُمْقِهِ
فَأَشَارَتْ إِلَى الْقَاعِ وَقَالَتْ:
هُنَا تَسْكُنُ حَقِيقَتُكَ.
كَشَفَتْ حِجَابِي كَمَا لَمْ يَفْعَلْ أَحَدٌ،
وَرَأَتْ فِيَّ مَا لَمْ أَرَهُ فِي نَفْسِي،
وَفَهِمَتْ صَمْتِي كَأَنَّهُ لُغَةٌ،
وَسَمِعَتْ خَفْقَاتِي وَهِيَ مَا بَيْنَ السُّطُورِ.
قَالَتْ يَوْمًا:
إِنَّ الْقَرْنَبِيطَ الأَبْيَضَ قَدْ يَبْدُو بِلا طَعْمٍ،
وَلَكِنِّي أُجِيدُ طَهْوَهُ.
فَضَحِكْتُ حِينَئِذٍ،
ثُمَّ عَلِمْتُ بَعْدَ حِينٍ أَنِّي أَنَا ذَلِكَ الْقَرْنَبِيطُ،
أَبْيَضُ بِلَا نَكْهَةٍ،
مُحَايِدُ الطَّعْمِ،
قَائِمٌ وَلَكِنْ بِلا رَائِحَةِ حُبٍّ وَلَا مَذَاقِ شَوْقٍ.
وَهِيَ كَانَتِ الطَّاهِيَةَ،
الَّتِي لَمْ تُضِفْ إِلَيَّ تَوَابِلَ فَحَسْبُ،
بَلْ أَيْقَظَتْ فِيَّ النَّارَ،
وَجَعَلَتْ مِنِّي طَبَقًا تَنْبُضُ فِيهِ الْمَشَاعِرُ،
وَيَفِيضُ مِنْهُ الْحُبُّ كَأَنَّهُ بُخَارُ قَلْبٍ بَعْدَ شِتَاءٍ طَوِيلٍ.
يَا نُوَّارَ الشَّمْسِ،
يَا مَنْ إِذَا طَلَعَتْ ذَابَتْ غُيُومُ أَيَّامِي،
وَاسْتَقَامَتْ فِي صَدْرِي شُمُوسٌ كُنْتُ أَحْسَبُهَا أَفَلَتْ،
إِنَّكِ لَمْ تُحِبِّي الْقَرْنَبِيطَ لِشَكْلِهِ،
بَلْ لِمَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ إِلَيْهِ.
وَأُحِبُّكِ حُبًّا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ،
حُبًّا لَا يَشْتَرِطُ،
وَلَا يَسْأَلُ مُقَابِلًا،
حُبًّا لِوُجُودِكِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا فَحَسْبُ،
وَلِأَنَّكِ مَرَرْتِ فِي طَرِيقِي فَجَعَلْتِ الطَّرِيقَ طَرِيقًا.
لَا أَطْمَعُ فِي حُبِّكِ لِي،
وَلَا أُسَاوِمُ الْقَدَرَ عَلَى بَقَائِكِ،
فَإِنَّكِ سَتَبْقَيْنَ فِي قَلْبِي
كَمَا يَبْقَى أَثَرُ الشَّمْسِ فِي الْعَيْنِ بَعْدَ أَنْ تَغِيبَ.
قَدْ آلَمَنِي أَنْ نَفْتَرِقَ قَبْلَ اللِّقَاءِ،
وَأَنْ تُطْوَى الْوُعُودُ قَبْلَ أَنْ تُفْتَحَ،
وَأَنْ لَا أَتَذَوَّقَ مِنْ يَدَيْكِ ذَلِكَ الْقَرْنَبِيطَ الأَبْيَضَ
الَّذِي وَعَدْتِنِي بِهِ.
وَأَعْلَمُ أَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ الْوِدَاعُ،
وَإِنْ كُنْتُ أَتَمَنَّى أَلَّا يَكُونَ،
لَكِنَّنِي أَقُولُهَا وَالْقَلْبُ يَشْهَدُ:
شُكْرًا.
شُكْرًا لِلَّيَالِي الَّتِي سَهِرْتُهَا مَعَكِ عَلَى الْهَاتِفِ،
وَلَمْ أَنْدَمْ عَلَى دَقِيقَةٍ مِنْهَا،
شُكْرًا لِأَنَّكِ جَعَلْتِ الدُّلْفِينَ يَغُوصُ دُونَ خَوْفٍ،
وَجَعَلْتِ الْفِيلَ يَبْتَسِمُ خِفَّةً فِي مِشْيَتِهِ.
تَلُومِينَ نَفْسَكِ أَنَّكِ لَسْتِ سَوِيَّةً،
وَمَا عَلِمْتِ أَنَّ هَذَا اللَّوْمَ هُوَ عَيْنُ السَّوَاءِ،
فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ اسْتِقَامَةً
هُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَشُكُّونَ فِي أَنْفُسِهِمْ
وَيُفَتِّشُونَ عَنْ خَلَلِهَا.
كُنْتِ الْوَحِيدَةَ الَّتِي رَأَتْنِي حَقًّا،
لَا كَقَرْنَبِيطٍ أَبْيَضَ،
بَلْ كَطَبَقٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يُقَدَّمَ بِحُبٍّ.
وَإِنْ لَمْ نَلْتَقِ أَبَدًا،
وَإِنْ لَمْ تَكْتَمِلِ الْوُعُودُ،
فَاعْلَمِي أَنَّكِ قَدْ أَحْيَيْتِ فِيَّ إِنْسَانًا
كُنْتُ أَظُنُّهُ مَاتَ.
وَأَعِدُكِ بَيْنِي وَبَيْنَ قَلْبِي
أَنِّي لَنْ أَقْرَبَ قَرْنَبِيطًا أَبْيَضَ مِنْ يَدِ أَحَدٍ غَيْرِكِ،
لِأَنَّ الطَّعْمَ لَيْسَ فِي الْخُضْرَةِ،
بَلْ فِي الْيَدِ الَّتِي تُحْسِنُ طَهْوَهَا.
هَذَا حُبِّي لَكِ،
لَيْسَ لِيَأْخُذَ،
بَلْ لِيَكُونَ شَاهِدًا أَنِّي مَرَرْتُ هُنَا
وَأَنَّ نُوَّارَ الشَّمْسِ مَرَّ مِنْ هُنَا أَيْضًا
Comments